حيدر حب الله

120

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

وبالتأمّل فيما نحن فيه ، كيف يمكن فهم حرف ( عن ) هنا ؟ يمكن القول : إنّ فهم هذا الموضوع بمعنى المجاوزة على طريقة الجلالي أمر معقول ؛ لكن هل تحتمل الجملة تركيبةً أخرى ؟ الجواب هو بالإيجاب ؛ فلنأخذ كلمة : روى زيد عن عمرو ، فهذا ليس معناه أنّ عمرواً روى عن غيره ، بل معناه أنّ رواية عمرو تجاوزته نحو زيد ، وكأنّ تركيب الجملة هكذا بناء على مفهوم المجاوزة : روى زيد روايةً تجاوزت عمرواً ، بمعنى صدرت منه وخرجت منه إلى غيره ، وعلى هذا القياس إذا قلنا : أسند زيد عن عمرو حديثاً ، فإنّ معنى ذلك أنّني نسبت الرواية إليه وضممتها إليه لتتقوّى به ، فقد خرجت الرواية منه إليّ ، وهذا أعمّ من أن يكون قد روى هو عن غيره أو لا ، فأنا أسندت الحديث عندما تجاوزه الحديثُ ، أي أنا قوّمت الحديث وضممته إلى صاحبه وقويّته بالضمّ ونسبته إليه بعد أن صدر منه ، وهذا ما يفسّر وجود ثلاثة استخدامات لكلمة ( أسند عنه ) في التراث الحديثي ، كما بيّن السيد السيستاني ، وأحدها بمعنى روى عنه . والفرق بين تفكيكنا للجملة وتفكيك الجلالي ، أنّ الجلالي فكّكها هكذا : أسند زيد الحديث إلى عمرو حال كون زيداً متجاوزاً في الإسناد عمرواً إلى بكر . أمّا نحن ففكّكنا الجملة هكذا : أسند زيد الحديث إلى عمرو ، حال كون الحديث متجاوزاً عمراً إلى زيد ، وخارجاً منه إليه . واللطيف أنّ السيد الجلالي نفسه في دراسته المخصّصة لمسألة العنعنة في الحديث ، ذهب إلى أنّ : نقل فلان عن فلان ، أو حدّث عنه ، أو أنبأ عنه ، يفيد التجاوز المعنوي ، فليس المتجاوِز هو فاعل الفعل ، بل هو الحديث نفسه ، فقول زيد : حدّث عمرو عن بكر ، معناه - على التجاوز - هو : تجاوز الحديث بكراً إلى عمرو ، وهذا غير معقول ، ولا مطابق لواقع التجاوز الذي عرفناه في قولنا : انصرف عمرو عن بكر أو رميت السهم عن القوس ، وهو ما يدلّ على مجرّد ابتعاد عمرو عن بكر ، بينما في قولنا : حدّث عمرو عن بكر لا نعني ذلك ، بل فيه الانفصال والوصول إلى غاية ، ولذا لو قال : أوصل عمرو حديثاً من بكر ، لصحّ